عناقيد ضوء

نصف ما أقوله لك لا معنى له, و لكنني أقولة ليتم المعنى الآخر – جبران خليل جبران …. لست بأعلم و لا أصدق أو أقوى النساء و و لكن هذا لن يمنعنني لأقول ما أعلم بقوة و بصدق

Archive for يونيو 2008

و جادلهم بالتي هي أحسن

without comments

 

و جادلهم بالتي هي أحسن :

قراءة نقدية لفلم “انشقاق ”  الذي يرد على فلم “فتنه ” الهولندي

 

إن التهجم على الإسلام و رسوله الكريم عليه الصلاة و السلام ليس بأمر جديد على الغرب. فعلى مدى القرون الماضية كتبت أوروبا كتب و مثلت مسرحيات تحمل مضامين ساخرة من الإسلام و أهله. و المتأمل لجميع هذه الأعمال – القديم منها و الحديث – و الناقد لها سيجدها تتصف بسمه واحده ألا و هي الجهل. جهل هؤلاء المعتدون على الإسلام و نبيه هو ما يجعلهم يتهجمون عليه بأقبح الصفات. و لكن الجهل وحدة ليس مسئولا عن كل هذه الكراهية , بل التعصب أيضا. فعندما  يختلّ  توازن الفرد و يهدد  شعوره بالطمأنينة و الأمان بسبب سلوك أفراد آخرين,  يتخذ التعصب و سيله للدفاع عن ذاته  و درعا يحميه من الآخر . فيتخذ من الدين أو المذهب أو العرق  ستارا يسدله على كرهه للآخرين و ضعفه.

 

و لكن بغض النظر عن  موقف الغرب من الإسلام و الحضارة الإسلامية فهو ليس موضوعي في هذا المقال. ولكن  نقد فلم رائد السعيد الذي يرد به على فلم الفتنه الهولندي

 

إذا ما كان الهدف من صنع هذا الفلم هو إحراج صانع فلم الفتنه و ربما إسكاته, فالفلم رائع . و لكن هل تمكن الفلم من دحض الاتهامات عن الإسلام و الدعوة إليه؟

 فالفلم لم يكون سوى رد.  و قد وضح صانعه المبدع رائد السعيد  أنه مثل الفلم الهولندي أخذ نصوص من الإنجيل و أخرجها من سياقها. لذلك قد تدلل هذه النصوص على دلائل مغلوطة  و توحي بمعاني قد تكون  غير صحيحة. فنحن كمشاهدين لم نقرأ الإنجيل لنتأكد أن هذا الخطاب في هذه المقاطع على لسان الله – أي أنها أوامر إلهيه  على حسب زعم الإنجيل . فالمعروف أن كلمة Lord      تعني الرب. و استخدامها يشبه استخدام مرادفها في العربية . فقد تعني رب العالمين أو رب القوم أو رب الملك  أو رب  البيت أو رب الإبل أو رب الأسرة , فيختلف معناها باختلاف النص. بالإضافة, إلى أننا لا نعلم نص هذه المقاطع الإنجيلية و سبب نزولها . ربما نزلت على قوم معينين, أو أنها قصص أولين ذكرها الإنجيل و لا علاقة لها بالمسيحية.

لا أقصد بقولي هذا دفاعا عن المسيحية, و لكن الإسلام حق و لا يجب أن ندافع عنه بباطل. هناك آلاف الطرق (( النزيهة))  التي نستطيع  أن نظهر بها حقيقة الإسلام و براءته من أخطائنا , من دون أن نجرح دين الآخر و معتقدة .

فنحن كمسلمين هدفنا الأول والأساسي هو الدعوة إلى الإسلام , و ليس فقط الدفاع عنه أو عن نبيه . و للدفاع مناهج تختلف عن مناهج الدعوة . فالدفاع  قد يتحمل التعصب و التهجم و الغلظة, أما الدعوة فتبنى على الاحترام و التقدير و القول الحسن , و  تتطلب الصبر على الأذى و مقابلة الإساءة بالإحسان .

و من وجه نظر نفسية , الهجوم على معتقدات و تراث الآخرين  و إن كانت خاطئة, لا يأتي بردة فعل إيجابية. إذ أنه يحفز العدوان و التعصب

مثلا: الكثير من الأشخاص يستطيع التحدث و مناقشه المشاكل و التحديات و الأخطاء الاجتماعية و الدينية . و لكن عندما يكون النقد من طرف غريب , تجده يرفض الحوار جملة و تفصيلا و حتى النظر في الموضوع , و يتعصب لموقف بلدة أو مجتمعه مع إيقانه بخطأ هذا الموقف


و ما نحن سوى العدو بالنسبة لهم.. من النادر أن تجد شخص يتفاعل بإيجابية مع نقد موجه إلية من عدوه. فردة الفعل الطبيعية عند أي إنسان هي أن يدافع عن معتقداته و يبحث عن رد يرد به على هذا الهجوم . و بين رد هذا و ذلك, ضاع الحوار و ازدادت الفجوة بيننا و بينهم. ما نريده هو فتح باب للحوار . باب للعقل و ليس للمشاعر . لأن  المشاعر هي من  تتعصب للتراث و تحمي المعتقدات, أم العقل فينتقدها و يفكر و يتدبر فيها.

 

أمر آخر يتجاهله الكثيرون في الدعوة هو أن أغلب مسيحيون اليوم شبة ملحدين,  تصرفاتهم و خياراتهم ليس لها علاقة بدين المسيحية أو تعاليمه . و هم أنفسهم يسخرون من التناقضات المسيحية و ينتقدوها . إذا إظهار أخطأ دينيهم ليس بالأمر الجديد عليهم أو المؤثر. 

 

 كما أن  أنظمتهم السياسية علمانية, أي أنها لا تمثل المسيحية أو أي دين آخر  . إذا ربط مشاهد ضرب و اعتداء الجنود الأمريكيين بالمقاطع الإنجيلية خطأ.

 

أما بالنسبة لنادي المسيح” Jesus Camp ”   فقد تعلم المسلمون العرب بالطريقة الصعبة أن إسقاط  ممارسات خاطئة و منحرفة لفئة ضالة على دين كامل و متبعيه هو ظلم كبير. و مازلنا اليوم نعاني من هذا الظلم و نحاول أن نصحح هذا التعميم المجحف. إذا كيف بنا نستخدم هذه الطريقة في الدفاع عن الإسلام و الدعوة إليه! و كيف ندعو  لدين العدالة و السماحة و الحق بظلم و جهالة !

 

كما ذكرت سبقا أن التعصب هو ما يجعل مهاجموا الإسلام يتطاولون عليه بأقبح الوسائل و الأكاذيب, و ما ذلك إلا مؤشر على اضطراب نفسي سببه اختلال في الشعور بالأمان . إلا أن التعصب, مهما تباينت طرق  التعبير عنه, يؤثر على توازن من يتلقاه فيهدد بدوره توازنهم النفسي و شعورهم بالأمان, مما يجعلهم يدافعون عن أنفسهم بتعصب و كره مقابل للتعصب الموجه إليهم. و النتيجة كما نرى اليوم على أرجاء المعمورة , نفوس تزهق و أطفال تشرد و بيوت عبادة تهدم  باسم دين أو مذهب  أو حتى مبدأ إنساني سامي كالديمقراطية  . و السلام أصبح حلم فنتازيا و أسطورة الأولين.

 

إلا أن المسلم الواثق من دينيه و المطمئن إليه, لا تهز أخلاقه و مبادئه تعصبا أو تطاول مهما بلغ من القبح و السوء. و الداعية  الذكي هو من  يقتدي بالمنهج المحمدي الهادئ و المتزن للدفاع عن محمد و الإسلام , و لا يجعل من طريقة عدوه نموذجا له.

 

لذلك على  أصحاب تلك المحاولات  أن يحرصوا  في أعمال قادمة  على تسليط الضوء على  الإسلام و سماحة تعليمية … أن يدعون إليه, لا أن يتهجون على دينيهم.  و علينا جميعا أن  نتذكر وصيه الله لمحمد و المسلمين من بعده :( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

 

 

دارين أمين

 

 

 

 

 

Written by دارين

يونيو 30, 2008 في 4:50 ص