ارشيف لـاغسطس 2008
حطم الصنم بداخلك … دعوة لتحرير الذات
من منا لم يسمع عن كتاب و محاضرات سليمان العلي “أيقظ العملاق و انطلق” ؟ لو أخذت جولة في أي مكتبة ستجده في قسم تطوير الذات الذي يحتل أكبر مساحة من المكتبة, و قد تجده يباع بجانب كتاب آخر مترجم من الإنجليزية يحمل نفس العنوان و لكنه باسم مؤلف آخر. لا, ليس تشابه عناوين, فالمحتوى يكاد يكون متطابق و لكن الأول بنبرة إسلامية. حتى الأمثلة عربت أسماء أصحابها و مواقفهم. لقد حضرت شخصيا لسليمان العلي و انتظرت منه أن يقول في نهاية المحاضرة عن اسم مراجعة أو بالأحرى مصدر كل ما يقول , و لكنه لم يقل شيئا
الأمر لم يتوقف عنده, فهو ليس الأول و لن يكون الأخير. تجول في أورقة المكتبات, لاحظ الكتب التي يحملها المتسوقين , أو الكتب التي تروج لها هذه المكتبات, ستجد أغلبها إن لم يكن كلها , من فئة تطوير الذات عربية كانت أو مترجمة. و هذا ما يفسر طبعا سبب ترك العديد من الأشخاص مهنهم الأصلية ليصبحوا مدربي تطوير الذات . تعددت خلفياتهم الثقافية, فمنهم المعلم و الطبيب و الأكاديمي و المهندس و حتى الطالب , الكل يستطيع أن يصبح مدرب تطوير. فإذا كنت تجيد الحفظ, و تستطيع الإلقاء أمام الجمهور , دعك من مما تفعله , و تحول إلى تطوير الذات فهو من سيجلب لك المال. الكثير الكثير من المال
لا أستطيع أن أجد مفردة تصف ما يفعلوه غير عيب . عيب أن تقوم الطبقة المتعلمة من مجتمعنا بهذه السرقة العلنية, من دون حتى ذكر المصدر. و عيب أن يقبل الناشرون مثل هذه الكتب مع علمهم إنها مجرد تعريب لكتب أجنبية, مضاف إليها بعض من الأحاديث و قصص من السير النبوية لأغراض تسوقيه
أنا لست ضد الاقتباس الأدبي, و لكن ما يرتكبوه هؤلاء الأشخاص الذين نعتبرهم اليوم رموز للثقافة هو جريمة أدبية فكرية, و اتكال ثقافي . و سكوتنا عليها ما هو إلا علامة أخرى في وجه الثقافة العربية العجوز, الذي أتصف في حقبة من الحقبات بالعظيم
لا يكتفي هؤلاء المدعون سرقة مجهود الآخرين ونسبته لأنفسهم , بل أنهم يساهمون في تخدير القراء بالدين. فهم يستخدمون الدين لأغراض تسويقية بحته . أنظر إلى غلاف هذه الكتب , ليس مصادفه أن يكون جميعهم من الملتحين , يتحدثون بهدوء وورع, و يدللون أقوالهم بأحاديث و قصص من السيرة النبوية … لا تتسرعوا بالحكم , فمشكلتي ليست مع التعلم من السيرة , و لكن مع استخدامها لجذب المزيد من القراء . فالنظريات التي يستند إليها هؤلاء المدربين أجنبية , و إضافتهم للأحاديث مجرد لخدمه أغراضهم التسوقيه . فأصبح الدين نكهة صناعية تضاف إلى هذه الكتب و الندوات ليستحسنها القارئ المسلم, و ليست منهجا
لست هنا بصدد نقد محتواها الذي لا يخرج عن نقطة واحدة وهي التفكير الإيجابي, و لكنها تسمى بمسميات متعددة , آخرها و أكثرها مبيعا ” السر” … أقرئوا معي :
“تستطيع أن تفعل ما تريد , أن تكون ما تشاء , أن تكسب ما تحلم به .. كل ما عليك القيام به هو إيقاظ العملاق الذي بداخلك من سباته. حرره من القيود التي فرضتها أنت على نفسك . حرر نفسك من السلبية, و استقبل العالم بابتسامه. قد تكون الابتسامة مصطنعه, و لكن هي التي ستجلب لك السعادة. فكر بإيجابية, وثق في قواك الداخلية. وحدهم المترددون من يخسرون. فإما معركة خطرة أو لاشيء هذه هي الحياة . “
كلام جميل و منطقي , و لكن أينطبق على العملاق السعودي؟ أقصد المواطن السعودي ؟
التحرر من القيود الداخلية قد يصف حال مواطن يستطيع أن يعيش الحلم الأمريكي أو حلم النمر الأسيوي , و لكن كيف نحلم في بلد اغتيلت فيها الأحلام ؟
ما تسمية هذه الكتب الأجنبية بقيود داخلية هو عندنا أصنام … أصنام تدعى عادات و تقاليد و التوقعات الاجتماعية و النظرة الاجتماعية .. أصنام نقدسها لدرجة نذلل لها الدين. فيموت الفرد ليفديها و لينقلها للجيل القادم من بعده
في هذا الشطر النائم من العالم , لا نحتاج إلى تطوير ذات , بل إلى اكتشاف ذات و تحررياها من ذوات أخرى , من معتقدات ديناصوريه . نحتاج إلى مولد كهربائي يشعل النور في أطرافها, و يصعق قلبها مرة أخرى للحياة . لينبض و يقاتل من أجل الحياة و التغيير بدلا من أن يفني آخر رمقه لتعزيز أفكار هو أعلم بخطئها
الكلم يعلم ما الخطأ و ما الصواب , فالمعضلة ليست إدراكية , و لكن تحريرية من هذا الخطأ … هناك سجن خفي يطوحنا …. قرارات تتخذ و لا ينفذها أحد. معتقدات تصحح و لا تلقي لها صدى . لا نعترف بالحقيقة إلا بالخطأ و من ثم نعتذر منها ألف مره .. و كل شيء مؤجل … كل شيء ينتظر …ماذا ؟ لا أحد يعلم
نحن لا نحتاج مزيد من كتب و محاضرات تعلمنا كيف نعيش حياة لا نملكها .. نريد كتب تعلمنا كيف نعيش حياتنا هذه التي ظلت على خاصية الانتظار حتى ملت الانتظار و بدأت تتفلت من أيدينا … علمني كيف أحلم و أنا لا أنام ؟ كيف أستقبل المستقبل و قد اختطفوه مني ؟ و كيف أفراح و الفرح مخطوف مخطوف مخطوف يا ولدي
دارين أمين
كلوو- جه … قصة شجرة لوز أزهرت في المهجر
” ينحني إليها بظهره الموجوع بثقل الحياة, فتتساقط عليها قطرات من عرقه المحلى بآمال و أحلام لا تنتهي لتروي ظمأها , و يلقمها بذوره كطفلة مدللة , و من ثم يرتب عليها بلطف و حنان لتغفى بين ذراعيه مع الغروب. فيأتي فجر الصباح الثاني لتتفق أحشائها عن ضحكات ربيعية مزهرة” توقفت العجوز لتطمئن صوتها المرتجف حزنا و من ثم أكملت .. “لا يشعر أجدادك الفلاحين و هم يفلحون أرضهم أنها لهم, بل هم امتدادا لها. قطعه منها. و أشجار اللوز المعمرة التي ولدت قبل ولادتهم,هي أختهم الكبرى , و رفيقتهم في الحياة .. تتحمل شتائها بصلابة و تعقد الصبر على قلبوهم . و عندما يحل الربيع, تكون أول من يحمل بشائره إليهم بزهورها الوردية . هي كأهل أرضها , عريقة و أصيلة , قابضه بجذورها روح الأرض. قامتها جميلة و شامخة , ليس باستعلاء عن ما حولها ! بل ببساطة و رقة تأسر العين و تلهم العقل. “
عندما , تجلس أمي مع جدتها العجوز التي خط حزن فراق الأحبه على وجهها خطوطا أكثر من خطوط الزمن , و خادمه جدتها التي تعد رفقة عمر أكثر منها خادمة, و خالها الشاب الذي يعقد بجبينه حلم الشباب و هموم الغربة . تجلس تلك العائلة الصغيرة المهاجرة تستحضر صور من الذاكرة مازالت حية تنبض في نفوسهم لتعزيهم في ليالي الغربة و الفقر و الوحدة . يذكرون بستانا ما عاد يثمر , و ساحة بيت سكنها الغرباء, و نهر تقدس بدماء شهدائهم. يتذكرون ليل استبيحت ظلمته , و أصداء موسيقى خنقتها أصوات الرصاص, و رقص عذارى اغتصب فرحتهم القدر
تجلس أمي بشعرها الأسود الكاحل يتساقط على خدها القمري , تستمع بتعجب و انبهار لقصص عن بلاد لم تراها و لكن روحها معلقة بها. و تتعجب ببراءة عن سبب تركهم لبلاد ألف ليله و ليله ليسكنوا هذه الصحراء. فينطق سكوتهم بمالا تقوى ألسنتهم على نطقه
“كلوو- جه ” أي السنه القادمه يجيب خال والدتي بتفاؤل, ” سنذهب إلى البلاد في السنه القادمه” … و في كل مره تقسوا الحياة على تلك العائلة المهاجرة يردد الخال الشاب ” كلوو – جه ” … ” كلوو – جه سننسى كل الآلام و الصعاب, و ستعود الحياة بسيطة ومزهرة كالسابق ” . إلا أن كل سنه قادمة تأتي و لا تحمل معها حلم العودة , بل إن استقرار العائلة المهاجرة في الصحراء التي أصبحت لهم وطنا أحن عليهم من وطنهم المسلوب بات حقيقة لا يمكن تجاهلها . و لكن ” كلوو – جه ” ظلت حلما يهربون إليه من قسوة الأيام و جفاف الواقع
لم تكن الحياة سهلة على تلك العائلة الغريبة على أهل الحي. فهم لا يتحدثون لغتهم, و أشكالهم غريبة على أهل البلد. إلا أن طيبة أهل البلد احتوتهم, و سهلت عليهم الاستقرار و الانتماء و عدتهم أخوانا لهم
في يوم من الأيام عادت أمي من المدرسة و عينيها تقبض بقوة على قطرات لؤلئية تخشى سقوطها. فقد تعلمت تلك اليتيمة الصغيرة كيف تخفي ألمها جيدا, فلجدتها و خالها نصيبهما من الألم أيضا. و لكن خالها لمح التغيير عليها فدعاها لتخبره عن ما يزعجها. أخرجت له أمي كفيها البيضاوتان و أخبرته أن المعلمه قد ضربتها على كفيها عقابا لها. بحنان أبوي تناول الخال كفيها و قبلهما برفق و قال ” قزيل جول أوندو ” أي أن وردا أحمر سينمو على كفيك . لم تفهمه أمي و نظرت باستغراب إلي كفيها و قالت : ” و لكني لا أرى أي ورد يا خالي؟! ” . تبسم الخال على براءة طفولتها و رد عليها ” اصبري … و سترين وردا أحمر ينموا على كفيك”
في تلك اللحظة, ضاقت الدنيا على والدتي الصغيرة . و شعرت بيتمها و قله حيلتها. فخالها لم يغضب كما يغضب آباء صديقاتها. و لم يهدد , و لم يصرخ قائلا: ” لا أحد يتجرأ على ضرب ابنتي و يهينها . ستمكثين في المنزل يا ابنتي معززة مكرمة ” كما يفعل الآباء عادة في ذلك الزمن. عندها فقط, تساقطت الدموع التي حاولت والدتي الصغيرة منعها على كفيها. لم تفهم الخال الذي يملك حكمه و صبر الفلاحين, فهو يرى ما تخفيه الأرض في جعبتها … “ورد أحمر! ” ” و كيف بورد أحمر من أن ينموا في صحراء جافه” فكرت أمي بحزن و هي تحلم بكلوو – جه
أشرق الصباح التالي, يليه صباح آخر, و مرت السنون لتحمل الكثير من المفاجآت . فتحولت تلك الصحراء إلى وطن غالي للعائلة الصغيرة, و تغير حالها فأصبحت دولة ذو قوة و بأس. أما أمي الصغيرة , فكبرت لتصبح معلمه و مربية أجيال. ربت أمي على يديها أجيالا و أجيال من فتيات يانعات و جميلات كالورد الأحمر , فتحققت نبوءة خالها من دون أن تدرك, و نمى على كفيها وردا أحمر
و اليوم , عندما أتوجه إلي أمي مهمومة بمصاب ما , تتركني أذرف الدمع و أشكي على صدرها و من ثم تجيب بطمئنينه المؤمن ” كلوو –جه” , ” في السنة القادمة, ستنتهي كل مشاكلنا و سيتجلى الفرج لنا …و ستجمعنا سعادة لا يشوبها هم . و سنعوض كل هذه الدموع بأفراح لا تنتهي ” … في كل مرة, و مهما صعب المصاب, تردد أمي أن لا داعي من القلق و الجزع , لأن في السنة القادمة سيكون حالنا أفضل . في السابق كنت أضحك على تفاؤل أمي الطفولي , و لكن بعد أن اشتد عودي , فهمت حكمتها التي هي حكمه أجدادها الفلاحين. و أصبحت أنا أيضا أؤمن بكلوو – جه
دارين أمين
المحبه في مواجهة التعصب
هذا المقال هو بحث و محاولة شخصية لفهم و إدراك التعصب كسلوك فردي و أيديولوجية إجتماعية … قد يحمل الكثير من الخطأ , فلا تترددوا في تصحيحه
*******************************************
عرف موسوعة علم النفس والتحليل النفسي التعصب بأنه اتجاه نفسي لدى الفرد يجعله يدرك فرداً معينا او جماعة معينة او موضوعا معينا إدراكاً ايجابياً محباً او سلبيا كارها دون ان يكون لذلك ما يبرره من المنطق او الشواهد التجريبية .
فعندما يختلّ توازن الفرد و يهدد شعوره بالطمأنينة و الأمان بسبب سلوك أفراد آخرين, يتخذ التعصب و سيله للدفاع عن ذاته و درعا يحميه من الآخر . فيتخذ من الدين أو المذهب أو العرق ستارا يسدله على كرهه للآخرين و ضعفه.
و على الرغم أن التعصب سلوك إنساني يدعمه نمط تفكري معين, إلا أن لكل نفس بشرية منه نصيب. فهو طبيعة بشرية في كل منا, تختلف أسبابها و مبرراتها و درجتها من شخص إلى آخر و من موقف إلى آخر , و هذا ما أثبته علم النفس الحديث. و لكن كونه طبيعة بشرية لا يعني أن ممارسته على الآخرين أمر طبيعي !
لذلك تسألت: إذا كان التعصب طبيعة بشرية, كيف نحاسب عليه؟ و لماذا جبلنا الله عليه و من ثم أمرنا بأن ننتهي عنه؟
إجابة هذا التساؤل على الرغم من وضوحها إلا أن العقل البشري يحتاج إلى تجربة عمقيه و مؤلمة ليدرك معناها الحقيقي . فالله سبحانه و تعالى قد جبل البشر على التسرع, النسيان, التنكر للمعروف , و الغرور , و غيرها من الصفات السلبية التي نهانا أيضا عنها. و لكنه أيضا علمنا طرق و أساليب من خلال كتبة و رسله و وحيه للعقل البشري لنترفع بطبيعتنا البشرية الناقصة إلى وجه قريب من الكمال, … و هذه هي الحياة , جهاد النفس و نضال كل ما ينقصها.
المتأمل للنهج المحمدي في التربية الإسلامية, سيجد أن النبي صلى الله عليه و سلم قد صبر في تعليم الناس كيفية التعامل مع نواقصهم البشرية مثل الغضب و التسرع و الأنانية , و لكنه لم يصبر على التعصب . بل رفضه تمام , و أشاح بوجهه الكريم عنه. في ذلك حكمه, فالمتعصب لا ينفع معه الحوار العقلاني, لأن عقله مغيب.
فكما يعرف الجميع , التعصب هو ما يجعل ممارسيه يتطاولون علي الهدف ( شخصا كان أو معتقد) بأقبح الوسائل و الأكاذيب, و ما ذلك إلا مؤشر على اضطراب نفسي سببه اختلال في الشعور بالأمان. و هنا نتساءل: إذا كان التعصب آلية دفاع عن النفس إذا ما شعر الشخص أن ذاته مهدده , كيف يصنف على أنه اضطراب نفسي؟
صاحب الشخصية المتزنة لا تهدد ذاته بسهولة, ذلك لأن شعوره بالأمان نابع من شخصه و ليس من العوامل المحيطة بة . لذلك فهو لا يتأثر كثيرا بالاختلاف و المخالفة. كما أن الإنسان السوي, لا يكره بدون أسباب أو دوافع منطقية للكره .
أما المتعصبون , لديهم اضطراب في ثقتهم بأنفسهم تؤثر على توازنهم النفسي , و بالتالي على الصحة العقلية . فتدفعهم لتوهم أن أي مخالفة, هي محاولة لإيذاء شخصهم. فتغمر العاطفة العقل, و تستيقظ نزعه التمرد في أنفسهم لتحطم كل ما هو معتدل و عقلاني و موضوعي . فيخفون كرههم للآخرين و ضعفهم تحت رداء الدين أو العرق أو الجنس, و يوجهون ضربات شخصانية حبا بذاتهم و كرها للآخرين
******
تجنيد التعصب …
كما ذكرت سالفا, الشخصية المتعصبة تعاني من اعتلال نفسي نابع إما من عدم ثقتها بنفسها, أو كرهها للآخرين. و كأي سلوك , محفزة و داعمة أنماط فكرية غالبا ما تربى عند الإنسان و تـٌأصل في شخصيته منذ الصغر. لذلك نرى مجتمعات متعصبة أكثر من غيرها, و في المقابل, أخرى متسامحة. فالمجتمع , متمثلا في كل مؤسساته هو من يعلم الأفراد الحب و الكره و كيفية التعامل من كلا منهما
و بما أن المتعصب يفقد قدرة الحكم على الأمور بعقل و حياد, تستغل الكثير من المجتمعات و الجماعات التعصب لتفرض سيطرتها الكاملة على الأفراد … فتجد قائد طائفة يؤجج التعصب في تابعيه, و يغذهم إياه حتى يسيطر الغضب عليهم, فيفقدون قدرتهم على إدراك أبعاد الأمور , و بالتالي يسهل تجنيد طاقتهم السلبية, لتعزيز قوة الطائفة في مهاجمه الآخرين . و هذا المثال ينطبق أيضا على ثقافة المجتمعات
*****
التعرض للتعصب …
أن التعصب, مهما تباينت طرق التعبير عنه, يؤثر على توازن أغلب من يتلقاه. فيهدد بدوره توازنهم النفسي و شعورهم بالأمان, مما يجعلهم يدافعون عن أنفسهم بتعصب و كره مقابل للتعصب الموجه إليهم. و النتيجة كما نرى اليوم على أرجاء المعمورة , نفوس تزهق و أطفال تشرد و بيوت عبادة تهدم باسم دين أو مذهب أو حتى مبدأ إنساني سامي كالديمقراطية . فالرد على التعصب بتعصب, لن سيجز بنا إلى حلقة التعصب و كره كل شيء من أجل لاشيء.
إلا أن الفرد الواثق من نفسه و المطمئن إليها, لا تهز أخلاقه و مبادئه تعصبا أو تطاول مهما بلغ من القبح و السوء. و الذكي هو من يقتدي بالمنهج الهادئ و المتزن للدفاع عن أي معتقد , و لا يجعل من طريقة عدوه نموذجا له.
و كأي نوع من أنواع جهاد النفس, التعرض للتعصب يعلم النفس البشرية المتأملة دروسا أخلاقية عظيمة, أهمها و أصعبها الصبر على الأذى و المحبة. و لا أعني هنا محبه الشخص المتعصب, بل محبه الإنسانية بكل ما فيها من أخطاء و حماقات و بشاعة.
أعتقد أن الطريقة الوحيدة لمقابلة التعصب هي الصبر, و الرحمة .. رحمه ضعف هذا الشخص الذي لا يعرف كيف يتعامل مع عواطفه أو يخفي نقصه . قد يسهل قول هذا, و لكن إذا ما تداركنا عواطفنا و سيطرنا عليها, تعالينا على الموقف, سنستطيع بسهوله رؤية الإنسان خلف وجه المتعصب الغاضب و محبته , ليس لشخصه و لكن لإنسانيته
إذا المحبة أومت إليكم فاتبعوها,
و إن كانت مسالكها صعبة متحدرة.
إذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها,
وإن جرحكم السيف المستور بين ريشها.
إذا المحبة خاطبتكم فصدقوها,
وإن عطل صوتها أحلامكم وبددها كما تجعل الريح الشمالية البستان قاعاً صفصفاً
لأنه كما أن المحبة تكللكم, فهي أيضا تصلبكم.
وكما تعمل على نموكم, هكذا تعلمكم وتستأصل الفاسد منكم
كل هذا تصنعه بكم لكي تدركوا أسرار قلوبكم,
تصبحوا بهذا الإدراك جزءاً من قلب الحياة.
غير أنكم إذا خفتم, وقصرتم سعيكم على الطمأنينة واللذة في المحبة.
فالأجدر بكم أن تستروا عريكم وتخرجوا من بيت المحبة إلى العالم البعيد حيثما
تضحكون, ولكن ليس كل ضحككم; وتبكون, ولكن ليس كل ما في مآقيكم من الدموع
- النبي لجران خليل جبران
دارين أمين
