كلوو- جه … قصة شجرة لوز أزهرت في المهجر
” ينحني إليها بظهره الموجوع بثقل الحياة, فتتساقط عليها قطرات من عرقه المحلى بآمال و أحلام لا تنتهي لتروي ظمأها , و يلقمها بذوره كطفلة مدللة , و من ثم يرتب عليها بلطف و حنان لتغفى بين ذراعيه مع الغروب. فيأتي فجر الصباح الثاني لتتفق أحشائها عن ضحكات ربيعية مزهرة” توقفت العجوز لتطمئن صوتها المرتجف حزنا و من ثم أكملت .. “لا يشعر أجدادك الفلاحين و هم يفلحون أرضهم أنها لهم, بل هم امتدادا لها. قطعه منها. و أشجار اللوز المعمرة التي ولدت قبل ولادتهم,هي أختهم الكبرى , و رفيقتهم في الحياة .. تتحمل شتائها بصلابة و تعقد الصبر على قلبوهم . و عندما يحل الربيع, تكون أول من يحمل بشائره إليهم بزهورها الوردية . هي كأهل أرضها , عريقة و أصيلة , قابضه بجذورها روح الأرض. قامتها جميلة و شامخة , ليس باستعلاء عن ما حولها ! بل ببساطة و رقة تأسر العين و تلهم العقل. “
عندما , تجلس أمي مع جدتها العجوز التي خط حزن فراق الأحبه على وجهها خطوطا أكثر من خطوط الزمن , و خادمه جدتها التي تعد رفقة عمر أكثر منها خادمة, و خالها الشاب الذي يعقد بجبينه حلم الشباب و هموم الغربة . تجلس تلك العائلة الصغيرة المهاجرة تستحضر صور من الذاكرة مازالت حية تنبض في نفوسهم لتعزيهم في ليالي الغربة و الفقر و الوحدة . يذكرون بستانا ما عاد يثمر , و ساحة بيت سكنها الغرباء, و نهر تقدس بدماء شهدائهم. يتذكرون ليل استبيحت ظلمته , و أصداء موسيقى خنقتها أصوات الرصاص, و رقص عذارى اغتصب فرحتهم القدر
تجلس أمي بشعرها الأسود الكاحل يتساقط على خدها القمري , تستمع بتعجب و انبهار لقصص عن بلاد لم تراها و لكن روحها معلقة بها. و تتعجب ببراءة عن سبب تركهم لبلاد ألف ليله و ليله ليسكنوا هذه الصحراء. فينطق سكوتهم بمالا تقوى ألسنتهم على نطقه
“كلوو- جه ” أي السنه القادمه يجيب خال والدتي بتفاؤل, ” سنذهب إلى البلاد في السنه القادمه” … و في كل مره تقسوا الحياة على تلك العائلة المهاجرة يردد الخال الشاب ” كلوو – جه ” … ” كلوو – جه سننسى كل الآلام و الصعاب, و ستعود الحياة بسيطة ومزهرة كالسابق ” . إلا أن كل سنه قادمة تأتي و لا تحمل معها حلم العودة , بل إن استقرار العائلة المهاجرة في الصحراء التي أصبحت لهم وطنا أحن عليهم من وطنهم المسلوب بات حقيقة لا يمكن تجاهلها . و لكن ” كلوو – جه ” ظلت حلما يهربون إليه من قسوة الأيام و جفاف الواقع
لم تكن الحياة سهلة على تلك العائلة الغريبة على أهل الحي. فهم لا يتحدثون لغتهم, و أشكالهم غريبة على أهل البلد. إلا أن طيبة أهل البلد احتوتهم, و سهلت عليهم الاستقرار و الانتماء و عدتهم أخوانا لهم
في يوم من الأيام عادت أمي من المدرسة و عينيها تقبض بقوة على قطرات لؤلئية تخشى سقوطها. فقد تعلمت تلك اليتيمة الصغيرة كيف تخفي ألمها جيدا, فلجدتها و خالها نصيبهما من الألم أيضا. و لكن خالها لمح التغيير عليها فدعاها لتخبره عن ما يزعجها. أخرجت له أمي كفيها البيضاوتان و أخبرته أن المعلمه قد ضربتها على كفيها عقابا لها. بحنان أبوي تناول الخال كفيها و قبلهما برفق و قال ” قزيل جول أوندو ” أي أن وردا أحمر سينمو على كفيك . لم تفهمه أمي و نظرت باستغراب إلي كفيها و قالت : ” و لكني لا أرى أي ورد يا خالي؟! ” . تبسم الخال على براءة طفولتها و رد عليها ” اصبري … و سترين وردا أحمر ينموا على كفيك”
في تلك اللحظة, ضاقت الدنيا على والدتي الصغيرة . و شعرت بيتمها و قله حيلتها. فخالها لم يغضب كما يغضب آباء صديقاتها. و لم يهدد , و لم يصرخ قائلا: ” لا أحد يتجرأ على ضرب ابنتي و يهينها . ستمكثين في المنزل يا ابنتي معززة مكرمة ” كما يفعل الآباء عادة في ذلك الزمن. عندها فقط, تساقطت الدموع التي حاولت والدتي الصغيرة منعها على كفيها. لم تفهم الخال الذي يملك حكمه و صبر الفلاحين, فهو يرى ما تخفيه الأرض في جعبتها … “ورد أحمر! ” ” و كيف بورد أحمر من أن ينموا في صحراء جافه” فكرت أمي بحزن و هي تحلم بكلوو – جه
أشرق الصباح التالي, يليه صباح آخر, و مرت السنون لتحمل الكثير من المفاجآت . فتحولت تلك الصحراء إلى وطن غالي للعائلة الصغيرة, و تغير حالها فأصبحت دولة ذو قوة و بأس. أما أمي الصغيرة , فكبرت لتصبح معلمه و مربية أجيال. ربت أمي على يديها أجيالا و أجيال من فتيات يانعات و جميلات كالورد الأحمر , فتحققت نبوءة خالها من دون أن تدرك, و نمى على كفيها وردا أحمر
و اليوم , عندما أتوجه إلي أمي مهمومة بمصاب ما , تتركني أذرف الدمع و أشكي على صدرها و من ثم تجيب بطمئنينه المؤمن ” كلوو –جه” , ” في السنة القادمة, ستنتهي كل مشاكلنا و سيتجلى الفرج لنا …و ستجمعنا سعادة لا يشوبها هم . و سنعوض كل هذه الدموع بأفراح لا تنتهي ” … في كل مرة, و مهما صعب المصاب, تردد أمي أن لا داعي من القلق و الجزع , لأن في السنة القادمة سيكون حالنا أفضل . في السابق كنت أضحك على تفاؤل أمي الطفولي , و لكن بعد أن اشتد عودي , فهمت حكمتها التي هي حكمه أجدادها الفلاحين. و أصبحت أنا أيضا أؤمن بكلوو – جه
دارين أمين

loved it
sawtauntha
سبتمبر 1, 2008 في 11:36 ص
الله كم انت رائعة يادارين، ومن منا يستطيع العيش بدون كلوو-جه
عبدالله
سبتمبر 7, 2008 في 11:36 ص
LOL’Z
, Really
Durrah u make an excellent writer
HeBz
سبتمبر 8, 2008 في 12:42 ص
القصة تقريبا متشايهة هنا ايضا ..
اتمنى لك حياة سعيدة بعيدا عن التعصب العرقي
طلال
سبتمبر 11, 2008 في 3:09 م
قصة جميلة جدا .. كلنا امل ان نراك اديبة كبيرة … بالنوفيق ان شاء الله
gash
سبتمبر 12, 2008 في 3:21 ص
Very bad
jeanpierre khoury
سبتمبر 27, 2008 في 10:08 م